محمد حسين الذهبي
450
التفسير والمفسرون
كما مر في قوله تعالى ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ ) وقد دل عليه قوله ( وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ ) والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه ، عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره » « 1 » ا ه . ولكن هذا قد أغضب ابن المنير على الزمخشري فقال معقبا عليه ( وهذا مما تقدم إنكاري عليه فيه ، أفلا كان يتأدب بأدب الآية ، حيث سمى اللّه هذا مثلا ، ولم يقل : تلك الخيالات نضربها للناس ؟ . ألهمنا اللّه حسن الأدب معه . واللّه الموفق ) ا ه « 2 » . ولكن الزمخشري ولع بهذه الطريقة ؛ فمشى عليها من أول تفسيره إلى آخره ، ولم يقبل المعاني الظاهرة التي يجوزها أهل السنة ، بل ويرونها أقرب إلى الصواب من غيرها . وهو كل ما يذكر من المعاني لا يعدم مثلا عربيا سائرا ، أو بيتا من الشعر القديم يشهد لما يقوله ، كما أنه لا ينفك عن التنديد بأهل السنة الذين يقبلون هذه المعاني الظاهرة ويقولون بها ، وكثيرا ما ينسبهم من أجل ذلك إلى أنهم من أهل الأوهام والخرافات « 3 » . وإليك بعض الأمثلة لتقف على مقدار تمسكه بهذه الطريقة : ففي سورة البقرة عند قوله تعالى في الآية ( 255 ) « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » يذكر الزمخشري أربعة أوجه في معنى الكرسي ، يقول في الوجه الأول منها : إن كرسيه لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته ، وما هو إلا تصوير لعظمته وتخييل فقط ، ولا كرسي ثمة ، ولا قعود ، ولا قاعد ، كقوله
--> ( 1 ) الكشاف ج 2 ص 449 . ( 2 ) هامش الكشاف ج 2 ص 449 ( 3 ) انظر ما قاله عند قوله تعالى في سورة آل عمران « وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ج 1 ص 302 .